شمس النهرين – متابعات
نشرت مجلة الشؤون الخارجية الأميركية تحليلاً موسعاً تناول سبل كسر الجمود النووي بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكدة أن استمرار العداء المتبادل وسياسات التهديد المتبادل أدخل الطرفين في حلقة مفرغة من التصعيد الأمني، حالت دون التوصل إلى تسوية مستدامة.
ويوضح التحليل أن مفهوم «التسييس الأمني» بات أداة مركزية في العلاقات الدولية المعاصرة، حيث تُصوَّر قضايا ودول بعينها على أنها تهديدات وجودية لتبرير اتخاذ إجراءات استثنائية ضدها، بدلاً من التعامل معها ضمن الأطر السياسية والدبلوماسية المعتادة. وتُعد إيران، بحسب المجلة، مثالاً واضحاً على هذا النهج خلال العقدين الماضيين.
وترى مجلة الشؤون الخارجية أن الولايات المتحدة وإسرائيل عملتا بشكل منهجي على تصوير إيران كأكبر تهديد للنظام الدولي، ما قاد إلى إدانات متواصلة، وعقوبات اقتصادية قاسية، وتهديدات باستخدام القوة، وصولاً إلى عمليات عسكرية مباشرة، نُفذت أحياناً بالتزامن مع مسارات تفاوضية بين طهران وواشنطن.
وبحسب التحليل، دفعت هذه الضغوط إيران إلى تبني سياسات دفاعية أكثر تشدداً، شملت زيادة تخصيب اليورانيوم وتقليص التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في خطوة هدفت إلى إظهار عدم خضوعها للإكراه. وأسهم هذا المسار في تعزيز خطاب التهديد ضدها، ما خلق حلقة مفرغة تُنتج «نبوءة تحقق ذاتها»، حيث يُستخدم السلوك الدفاعي الإيراني دليلاً إضافياً لتبرير الضغوط المفروضة عليها.
وتشير مجلة الشؤون الخارجية إلى أن هذا التوجه الأمني الخارجي انعكس داخلياً في إيران، عبر تشديد القيود الاجتماعية وتعزيز عقلية الحصار، وهو ما فاقم الفجوة بين الدولة والمجتمع، من دون معالجة الأسباب الجوهرية للسخط الداخلي، وفي مقدمتها التحديات الاقتصادية وتآكل رأس المال الاجتماعي.
وترى المجلة أن كسر هذه الحلقة لن يكون سهلاً، لكنه ممكن إذا ما تخلت القوى الخارجية عن سياسات التشويه والتهديد، واحترمت سيادة إيران وكرامتها، بالتوازي مع خطوات داخلية تتخذها طهران لتعزيز التوافق الوطني من خلال الإصلاحات الاقتصادية ومكافحة الفساد، بما يقوي موقفها التفاوضي.
وتستعيد مجلة الشؤون الخارجية تجربة الاتفاق النووي لعام 2015 بوصفها نموذجاً على إمكانية الخروج من دوامة التسييس الأمني عبر الحوار، مشيرة إلى أن هذا الاتفاق غيّر – ولو مؤقتاً – البيئة الدولية المحيطة بإيران، ومنحها اعترافاً بدورها كدولة يمكن التعامل معها سياسياً لا أمنياً فقط.
وتؤكد المجلة أن الضغط والعقوبات لم ينجحا في تغيير السلوك الإيراني، تماماً كما أن الإجراءات الدفاعية الإيرانية لم تُبدد المخاوف الغربية، ما يدل على أن الأزمة قائمة في مستوى التصورات الذهنية أكثر من كونها صراع قدرات مادية.
وفي هذا السياق، تدعو مجلة الشؤون الخارجية إلى إدارة الخلافات بين طهران وواشنطن بدلاً من السعي إلى حسمها، عبر اتفاق نووي محدث يقوم على مبدأين أساسيين: التزام إيران بعدم تطوير سلاح نووي، مقابل التزام الولايات المتحدة بعدم تهديدها عسكرياً أو اقتصادياً ورفع العقوبات.
كما تشير إلى إمكانية توسيع مسار التفاهم ليشمل ملفات الأمن الإقليمي، وبناء الثقة، ومكافحة الإرهاب، وحرية الملاحة، معتبرة أن المصالح المشتركة يمكن أن تشكل أرضية عملية لخفض التصعيد.
وتخلص مجلة الشؤون الخارجية إلى أن كسر دوامة التسييس الأمني لا يصب في مصلحة إيران وحدها، بل يخدم أيضاً الولايات المتحدة وأوروبا واستقرار الشرق الأوسط، محذرة من أن الاستمرار في التعامل مع طهران بوصفها تهديداً دائماً سيقود إلى مزيد من عدم الاستقرار، في حين أن إدماجها كشريك يمكن أن يفتح آفاقاً أوسع للسلام والتنمية على المدى الطويل.
وكالة شمس النهرين الاخبارية وكالة اخبارية مستقلة تهتم بالشان العراقي