شمس النهرين – بغداد
يتساءل الكثير من المراقبين والمتابعين للشأن الاقتصادي عن الأسباب الحقيقية التي تمنع العراق من استئناف تصدير نفطه عبر المنافذ الجنوبية، رغم وجود إشارات وتصريحات توحي بالسماح لناقلات النفط بالعبور من خلال مضيق هرمز. وللإجابة على هذا التساؤل الجوهري، لا بد من استعراض مجموعة من الحقائق الواقعية التي تحكم مفاصل قطاع الطاقة العراقي وآليات تسويقه دولياً، بعيداً عن التبسيط السياسي للمشهد.
تبدأ أولى هذه الحقائق من طبيعة النظام التعاقدي الذي يدير به العراق مبيعاته النفطية، حيث لا يعتمد العراق في سياسته التسويقية على امتلاك أسطول ناقلات عملاقة لنقل الخام، بل تعتمد شركة تسويق النفط العراقية (سومو) آلية “التحميل من المنفذ”. وبموجب هذه العقود، تقع مسؤولية توفير الناقلات وشحن النفط من الموانئ على عاتق الشركات العالمية المتعاقدة مع العراق، مما يجعل تدفق النفط مرتبطاً بقرار تلك الشركات ومدى قدرتها على توفير الأسطول اللازم للوصول إلى موانئنا.
وهنا تبرز المشكلة الحقيقية التي لا تكمن في إجراءات شركة (سومو) الإدارية، بل في عزوف شركات الشحن العالمية ومالكي الناقلات عن إرسال سفنهم إلى مناطق تُصنف حالياً بأنها عالية المخاطر. فبالرغم من وجود الرغبة لدى المشترين في الحصول على النفط العراقي، إلا أن معضلة توفير ناقلات مستعدة للمخاطرة بالرسو في الموانئ الجنوبية أو الاقتراب من مناطق التوتر العسكري تظل قائمة، خاصة وأن شركات التأمين تفرض في مثل هذه الظروف أقساطاً مالية مرتفعة جداً كـ “تأمين ضد المخاطر”، مما يجعل كلف الشحن باهظة ويدفع العديد من الشركات للانسحاب أو التردد.
وعلاوة على ذلك، يجب إدراك أن التصريحات السياسية التي تتحدث عن السماح بمرور الناقلات لا تعني بالضرورة توفر بيئة آمنة ومضمونة من وجهة نظر تقنية واقتصادية، إذ إن شركات الشحن والتأمين تعتمد في قراراتها على تقييمات ميدانية دقيقة للمخاطر الفعلية، ولا تكتفي بالمواقف المعلنة. ومن هنا، يصبح استئناف التصدير مرهوناً بشكل كامل بعودة الثقة إلى سوق الشحن البحري وانخفاض حدة التوترات، بما يضمن تراجع كلف التأمين لمستويات طبيعية.
وفي الختام، يظهر جلياً أن العائق الذي يقف أمام انسيابية تصدير النفط العراقي ليس قراراً إدارياً أو تسويقياً داخلياً، بل هو نتاج معادلة معقدة تتداخل فيها عوامل الأمن الدولي، وشروط شركات التأمين، وسلوك كبرى شركات الشحن العالمية. فالتصدير سيظل مقيداً بواقع المخاطر على الأرض إلى أن تتوفر الضمانات الأمنية التي تقبل بها الأسواق العالمية بعيداً عن لغة الاستثناءات المؤقتة.
وكالة شمس النهرين الاخبارية وكالة اخبارية مستقلة تهتم بالشان العراقي