شمس النهرين – متابعات |
خلص مركز تشاتام هاوس البريطاني، أحد أبرز مراكز الأبحاث الدولية في الشؤون الاستراتيجية، إلى أن إيران هي الجهة الوحيدة القادرة فعليًا على فرض نزع سلاح حزب الله، معتبرًا أن سلاح الحزب يشكّل الركيزة الأساسية لتحالفه مع طهران ولنفوذه السياسي والعسكري داخل لبنان.
وأكد التقرير أن أي اتفاق نووي جديد بين الولايات المتحدة وإيران يجب ألا يقتصر على الملف النووي، بل ينبغي أن يتضمن التزامًا واضحًا من طهران بإجبار حزب الله على التخلي عن سلاحه، بوصفه جزءًا من منظومة النفوذ الإيراني في المنطقة.
ويستشهد التقرير بتصريح لوزير الخارجية اللبناني يوسف راجي، أدلى به في مقابلة مع وكالة الأنباء السعودية (واس)، قال فيه إن «حزب الله لن يسلّم سلاحه دون قرار إيراني»، وهو تصريح وصفه التقرير بأنه غير معتاد في صراحته، لكنه يعكس واقعًا يعتقد به كثيرون داخل لبنان.
وأشار تشاتام هاوس إلى أن إصرار حزب الله على الاحتفاظ بسلاحه يتناقض مع رغبة غالبية اللبنانيين، إذ أظهر استطلاع حديث أجرته مؤسسة غالوب أن معظم اللبنانيين يؤيدون نزع سلاح الحزب. كما أن نزع السلاح كان بندًا أساسيًا في اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه بوساطة أمريكية بين إسرائيل ولبنان في نوفمبر 2024، إلا أن حزب الله يصر على حصر هذا الالتزام بالمناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني فقط.
وبيّن التقرير أن هذا التعنّت كلّف حزب الله خسائر سياسية كبيرة، إذ تراجع نفوذه داخل بيروت وعلى مستوى التحالفات الداخلية، ما سهّل تشكيل حكومة لبنانية جديدة أعلنت التزامها باستعادة احتكار الدولة لاستخدام القوة عبر الجيش اللبناني. ولفت إلى أن الجيش بدأ بالفعل عمليات نزع سلاح في جنوب الليطاني، لكنه يتعامل بحذر شديد مع مناطق شمال الليطاني والبقاع ومناطق أخرى.
وحذّر التقرير من أن استمرار حزب الله في الاحتفاظ بسلاحه يضع لبنان أمام خطر حرب كبرى جديدة مع إسرائيل، التي تسعى لإزالة التهديد العسكري على حدودها الشمالية. وأشار إلى أن إسرائيل شنت خلال العام الجاري عدة هجمات على أهداف داخل لبنان، قالت إنها تابعة لحزب الله، واغتالت الشهر الماضي أحد كبار قادته العسكريين، هيثم علي طباطبائي.
ورغم المخاطر المتزايدة، والتدهور الحاد في البيئة الاستراتيجية للحزب بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، الذي كان يشكل ممرًا رئيسيًا للإمدادات العسكرية، يرى التقرير أن حزب الله لا يزال يرفض أي تسوية، ما يعزز فرضية أنه لا يمتلك قرارًا مستقلًا بشأن سلاحه.
قرار إيراني لا لبناني
وأوضح تشاتام هاوس أن حزب الله، منذ تأسيسه في أوائل الثمانينيات بدعم من الحرس الثوري الإيراني، يتمتع بهوامش استقلال في الشأن السياسي الداخلي، مثل خوض الانتخابات وإدارة أمواله وبناء تحالفاته المحلية، لكنه لا يملك حرية التخلي عن سلاحه أو استخدامه استراتيجيًا ضد إسرائيل دون تفويض صريح من طهران.
وأكد التقرير أن السلاح هو جوهر العلاقة بين إيران وحزب الله، إذ ترى طهران في الحزب ذراعًا عسكرية متقدمة تستخدمها للردع ضد إسرائيل، أو للقتال في حال اندلاع حرب إقليمية واسعة. واعتبر أن حزب الله منزوع السلاح، والمحاصر داخل المشهد السياسي اللبناني، لا يمثل استثمارًا مجديًا لإيران.
وأشار المركز إلى أن هذا الردع لم يثبت فعاليته بشكل كامل، خاصة بعد الهجمات الإسرائيلية على إيران خلال الصيف الماضي، والتي لم يرد عليها حزب الله. ومع ذلك، يرى التقرير أن طهران لا تزال مقتنعة بقيمة الحزب المسلحة، لافتًا إلى تصريحات مسؤولين أمريكيين في نوفمبر تحدثوا عن تمكن إيران من ضخ ما يصل إلى مليار دولار إلى حزب الله خلال عام واحد لإعادة تمويله وترميم ترسانته.
وأضاف التقرير أن إيران تنتهج النهج نفسه مع حلفائها الآخرين في المنطقة، مثل الحوثيين في اليمن، والميليشيات في العراق، وحركتي حماس والجهاد الإسلامي، حيث يشكل السلاح جوهر النفوذ.
وفي المقابل، يوضح التقرير أن حزب الله يستفيد بدوره من هذا الدعم، إذ يسمح له بالاحتفاظ بادعائه أنه الجهة الوحيدة القادرة على «حماية لبنان»، إضافة إلى استخدام قوته لترهيب خصومه داخليًا، وتمويل شبكات خدمات اجتماعية لأنصاره. واعتبر التقرير أن مطالبة الحزب بنزع سلاحه تعني عمليًا إنهاء دوره السياسي والعسكري، وهو ما وصفه أمينه العام نعيم قاسم في خطاب أخير بأنه «إعدام» للحزب.
اتفاق أمريكي – إيراني أم حرب شاملة؟
ويرى تشاتام هاوس أن مستقبل سلاح حزب الله بات مرتبطًا بشكل مباشر بأي مفاوضات محتملة بين واشنطن وطهران. وذكّر بتصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أكتوبر الماضي، أبدى فيه استعداده للتفاوض مع إيران، مشددًا على أن مستقبل حزب الله يجب أن يكون جزءًا من أي حوار، لا الملف النووي وحده.
ودعا التقرير إلى أن يكون أي اتفاق جديد مختلفًا جذريًا عن اتفاق 2015، من خلال اشتراط نزع سلاح حزب الله وتقليص النفوذ الإيراني في المنطقة. وحذّر من أن البديل عن ذلك قد يكون تصعيدًا عسكريًا إسرائيليًا واسعًا ضد الحزب، بموافقة أمريكية وقبول إقليمي ودولي، وهو خيار قد يكون أكثر تدميرًا للبنان.
وختم التقرير بالإشارة إلى أن إسرائيل تسعى حاليًا لإضعاف حزب الله والدفع نحو مسار تطبيع مع الحكومة اللبنانية، وهو ما يعارضه الحزب بشدة وتخشاه إيران، في وقت تؤكد فيه الحكومة اللبنانية أن ملف نزع السلاح منفصل عن أي مسار تطبيع، رغم الضغوط الدولية المتزايدة لمعالجة التحدي العسكري الذي يمثله حزب الله بشكل نهائي.
وكالة شمس النهرين الاخبارية وكالة اخبارية مستقلة تهتم بالشان العراقي