شمس النهرين – متابعات
من يعرف شخصية المالكي، يعرف تماما ان من ظهر بالأمس في مقابلة على شاشة قناة الشرقية، هو ليس المالكي الذي عرفناه.
ظهر المالكي وديعاً ناعماً، او هكذا حاول. كان ينقصه في هذه المقابلة ان يظهر حاملاً في يده غصن زيتون.
كلماته، انفعالاته، أجوبته الحادة ومواقفه الانفعالية غابت بشكل كبير.
حاول المالكي وهو المرشح لمنصب رئيس الوزراء العراقي القادم، أن يظهر وكانه قمة في التسامح والمرونة السياسية، لدرجة أن هذه اللغة الناعمة قادته إلى أن يصف الرئيس السوري ب “الاخ احمد الشرع”، وهو الذي كان حتى ايام قليلة خلت يستخدم اسم “محمد الجولاني” عند الحديث عن الرجل، وهو موقف انسحب على كثير من اتباع ومريدي المالكي نفسه.
فما بدا مما عدا.
الجواب وباختصار شديد يكمن في السباق نحو كرسي رئاسة الوزراء في العراق، حيث لا يزال المالكي مرشح الاطار التنسيقي (الشيعي) للمنصب وان كان هذا الترشيح يواجه تصاعدا في اعداد المعارضين والمتحفظين والمتخوفين له سواء من داخل الاطار او من خارجه على حد سواء.
اذا كان هناك من يعتقد ان سباق الوصول إلى منصب رئاسة السلطة التنفيذية ومعة أيضاً منصب القائد العام للقوات المسلحة، يستحق ان يعيد الرجل النظر بأفكاره ومواقفه. واذا كان هناك من يعتقد ان هذا قد يعتبر براغماتية ومرونة سياسية تحسب للرجل، فان ما لا يمكن فهمه او استيعابه هو ان يظهر المالكي بصورة لا تنتمي أبداً لشخصيّته المتشددة التي عرف بها، وهو الذي لا يزال يوصف من قبل اتباعه بانه “رجل دولة من الطراز الاول”.
في عالم السياسة، فان أسوأ ما يمكن ان يرتكبه السياسي هو وقوعه في مطب “الاستدارات الحادة”، وهو موقف يدفع السياسي إلى تغير مواقفه وآراءه بدرجة النقيض. ويكون هذا الموقف صارخا وشاذاً إذا لم يكن هناك مايبرر هكذا موقف.
واذا كانت البراغماتية السياسية تبيح التصرف وفق نظرية “الغاية تبرر الوسيلة”، فان مالا يمكن استيعابه هو ان يظهر المالكي وهو يتحدث في المقابلة بصورة تجعل المرء يتساءل؛ هل ان من نستمع له هو فعلا نوري المالكي؟ وهل يستحق الفوز بمنصب رئيس الوزراء ان يبدل المالكي ثوبه تماما كما فعل؟.
والاهم من هذه التساؤلات وغيرها هو؛ هل فعلاً تغير المالكي؟ هل يمكن ان يساعد هذا الخطاب الذي ظهر به الرجل في دفع المعترضين والمتحفظين على ترشيحه داخليا وخارجيا أن يبدلوا مواقفهم فقط لان الرجل بدا ناعماً وليناً في خطابه، وهو الذي كان حتى قبل اسابيع خلت يستخدم خطاباً متشدداً في حملته الانتخابية لانتخابات مجلس النواب العراقي؟.
المصيبة أن يقتنع المالكي ان خطابه هذا قد يكون كافيا او حتى سبباً لتغيير تلك المواقف المعارضة والمتحفظة لترشيحه داخليا وخارجيا، واولها موقف “السيد ترامب” (وهي العبارة التي استخدمها المالكي في لقاءه في الإشارة إلى الرئيس الأمريكي)، وتغريدته التي عبر فيها عن موقف رافض لترشيح المالكي. تغريدة واحدة من بضع كلمات كانت كفيلة بخلط اوراق اغلب القوى السياسية العراقية خاصة تلك التي ايدت ترشيح الرجل اول الأمر.
ورغم محاولة انتهاجه هذا الخطاب المرن والهادئ، إلا ان مالا يمكن ان تخطأه العين هو انه لم يتمكن من إخفاء حقيقة انه لا يزال يعاني من نظرية الموامرة، وهو شعور رافق مسيرة الرجل وسيطر كثيرا على أفكاره ومواقفه لسنوات، حتى عندما كان رئيسا للوزراء لدورتين (من العام 2006 وحتى العام 2014).
فظهر الرجل في المقابلة “معاتباً” تركيا وقطر وسوريا، ومتهماً هذه الدول انها تماهت كثيرا بمواقفها مع تغريدة “السيد ترامب” في معارضة ترشيحه للمنصب.
وكعادته في إطلاق الاتهامات ضد من يعارضه او من يتخذ موقفا مغايرا لمواقفه، لم يعط المالكي تفسيرا يمكن ان يقنع الآخرين بموقفه هذا وحقيقة ان هذه الدول اتخذت الموقف الذي تحدث عنه، عندما قال ان الجواب بالنسبة له “لا يزال غير واضح حتى الان”، وهو كلام أوقعه في مطب اتهام دول مهمة من دون ان يقدم دليلا مقنعا على هكذا اتهام.
خلاصة القول: الرجل لم يتغير. ومحاولاته ارضاء او استرضاء الآخرين من خلال تبني خطاب حاول فيه أن يكون متعقلاً، لن يكون كافيا بتبديد من ابدى مخاوفه من ترشيحه وما يمكن أن يتسبب به هذا الترشيح من تداعيات داخليا وخارجيا لو أن الرجل فاز بالمنصب.
كم كنت اتمنى، وكثيرون غيري، لو ان الرجل اعلن عن سحب ترشيحه، او على الاقل لوح به، لكان خيراً له ولكل من تحفظ وعارض ترشيحه. لكن اصراره بالمضي بالترشيح، كما عبر هو “حتى النهاية”، عكس حقيقة ان الرجل لم يتغير وان كل ماقاله من كلام ليس سوى رسائل، يمكن القول وبضرسٍ قاطع انها لن تصل إلى مبتغاها لانها اخطات عناوينها، وان الاصرار على الترشيح لن يكون سوى مضيعة للوقت له وللجميع.
وكالة شمس النهرين الاخبارية وكالة اخبارية مستقلة تهتم بالشان العراقي