شمس النهرين – متابعات
بقلم: العميد الركن الدكتور أعياد الطوفان
تقف منطقة الشرق الأوسط اليوم أمام لحظة مفصلية وحساسة، مع عودة المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران إلى واجهة المشهد السياسي، في ظل تصاعد توتر غير مسبوق. هذه المفاوضات لا يمكن قراءتها كحوار تقليدي بين خصمين، بل كمسار اضطراري يهدف إلى تفادي صدام عسكري قد يشعل المنطقة بأكملها ويدخلها في دوامة من عدم الاستقرار.
المشهد العام يوحي بأن خيار التفاهم ما زال قائماً، إلا أن ظلّ المواجهة العسكرية يبقى حاضراً بقوة في الخلفية، ما يجعل أي تقدم تفاوضي هشّاً وقابلاً للانهيار في أي لحظة.
النووي… جوهر الصراع
يشكّل البرنامج النووي الإيراني المحور الأساسي للخلاف. تسعى واشنطن إلى تقليص مستويات تخصيب اليورانيوم، وضبط المخزون النووي، وفرض آليات رقابة صارمة وطويلة الأمد. في المقابل، تطالب طهران بضمانات حقيقية تحول دون أي استهداف عسكري مستقبلي، إلى جانب رفع أو تخفيف العقوبات الاقتصادية التي أثقلت كاهلها لسنوات.
غير أن الأزمة تجاوزت الإطار التقني، لتتحول إلى أزمة ثقة عميقة؛ إذ بات كل بند تفاوضي اختباراً للنوايا بين طرفين يعتقد كل منهما أن الآخر قد ينقلب على أي اتفاق في اللحظة المناسبة.
القوة العسكرية كورقة ضغط
لا يمكن فصل التحركات العسكرية في المنطقة عن مسار التفاوض، فهي ليست تفصيلاً عابراً بل جزء من لعبة الضغط المتبادل. الرسالة واضحة: الحوار مستمر، لكن خيار القوة حاضر وجاهز.
هذه المعادلة تهدف إلى دفع إيران نحو تقديم تنازلات، لكنها في الوقت ذاته ترفع احتمالية الخطأ في الحسابات، حيث إن أي احتكاك غير محسوب قد يشعل مواجهة لا يرغب بها الطرفان، لكنها قد تفرض نفسها بحكم التصعيد المتبادل.
إيران بين الحاجة الاقتصادية والحسابات السياسية
يضيف الوضع الداخلي الإيراني طبقة جديدة من التعقيد. فالاقتصاد يعاني من ضغوط كبيرة، والاحتقان الاجتماعي في تصاعد، ما يجعل أي انفراجة سياسية أو اقتصادية ذات قيمة كبيرة للنظام.
لكن في المقابل، فإن تقديم تنازلات واسعة قد يُفسَّر داخلياً على أنه ضعف سياسي، وهو ما تحاول القيادة الإيرانية تجنبه. لذلك تتحرك طهران بخطوات محسوبة، تحاول من خلالها الجمع بين إظهار قدر من المرونة والحفاظ على صورة القوة والسيادة.
المنطقة على وقع القلق والترقب
أي صدام مباشر بين واشنطن وطهران لن يبقى محصوراً في إطار ثنائي، بل سيتحول سريعاً إلى أزمة إقليمية شاملة، تمس طرق الطاقة والممرات البحرية الحيوية، وتمتد إلى ساحات النفوذ المتعددة في المنطقة.
لهذا تسود حالة من القلق والترقب، إدراكاً بأن الحرب – إن اندلعت – لن تُفرز منتصراً حقيقياً، بل ستخلّف موجة طويلة من عدم الاستقرار والفوضى.
السيناريوهات المحتملة
أمام هذا المشهد المعقّد، تبرز عدة سيناريوهات محتملة:
- التوصل إلى اتفاق مرحلي يخفف التوتر ويمنح الأطراف وقتاً إضافياً لإدارة الخلافات.
- تصعيد محدود ومدروس يُستخدم كأداة ضغط متبادلة دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
- انهيار مسار التفاوض والدخول في مواجهة أوسع يصعب احتواؤها أو التحكم بتداعياتها.
الخلاصة
ما يجري اليوم ليس مفاوضات عادية، بل اختبار دقيق للتوازن بين الدبلوماسية والقوة. كل طرف يفاوض من موقع ضغط، لكن هامش الخطأ بات ضيقاً للغاية. خطوة محسوبة قد تقود إلى التهدئة، فيما قد تدفع خطوة متهورة المنطقة إلى مرحلة جديدة من الصراع المفتوح، تتجاوز حدود السيطرة والحسابات التقليدية.
وكالة شمس النهرين الاخبارية وكالة اخبارية مستقلة تهتم بالشان العراقي